ابن عجيبة

265

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

بالطريق ؛ يوما أو ساعة ، وَكُنَّا نَحْنُ الْوارِثِينَ لتلك المساكن من سكانها ، أي : لا يملك التصرف فيها غيرنا . وفيه إشارة لوعد النصر لمتبع الهدى ، وأن الوراثة له ، لا أنه يتخطف كما قد قيل ، بل يقع الهلاك على من لم يشكر نعمة اللّه ، ويتبع هواه ، فكيف يخاف من تكون عاقبته الظفر ممن يكون عاقبته الدمار والتبار ؟ والحاصل : إنما يلحق الخوف من لم يتبع الهدى ، فإنه الذي جرت سنة اللّه فيه بالهلاك ، وأما متبع الهدى ؛ فهو آمن والعاقبة له . وَما كانَ رَبُّكَ ؛ وما كانت عادته مُهْلِكَ الْقُرى بذنب حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّها ، أي : القرية التي هي أصلها ومعظمها ؛ لأن أهلها يكونون أفطن وأقبل . رَسُولًا ؛ لإلزام الحجة وقطع المعذرة ، أو : ما كان في حكم اللّه وسابق قضائه أن يهلك القرى في الأرض حتى يبعث في أمها ، وهي مكة ؛ لأن الأرض دحيت من تحتها . رَسُولًا يعنى : محمدا صلى اللّه عليه وسلم ، يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا ؛ القرآن ، وَما كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرى إِلَّا وَأَهْلُها ظالِمُونَ ، أي : وما أهلكناهم للانتقام ، إلا وأهلها مستحقون العذاب بظلمهم ، وهو إصرارهم على الكفر والمعاصي ، والعناد ، بعد الإعذار إليهم . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : وكم خرّبنا من قلوب وأخليناها من النور ، حيث طغت وتجبرت في معيشتها ، وانشغلت بحظوظها وشهواتها ، فتلك أماكنها خاوية من النور ، لم تسكن بالنور إلا قليلا ، وكنا نحن الوارثين لها ، فأعطينا ذلك النور غيرها ، وما فعلنا ذلك حتى بعثنا من يذكرها وينذرها ، وما كنا مهلكي قلوب ومتلفيها إلا وأهلها ظالمون ، بإيثار الغفلة والشهوة على اليقظة والعفة . واللّه تعالى أعلم . وسبب الهلاك هو حب الدنيا ، ولذلك حقّر اللّه تعالى شأنها ، حيث قال : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 60 إلى 62 ] وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها وَما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقى أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 60 ) أَ فَمَنْ وَعَدْناهُ وَعْداً حَسَناً فَهُوَ لاقِيهِ كَمَنْ مَتَّعْناهُ مَتاعَ الْحَياةِ الدُّنْيا ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنَ الْمُحْضَرِينَ ( 61 ) وَيَوْمَ يُنادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ ( 62 ) قلت : « ما » : شرطية ، وجملة : ( فمتاع . . ) إلخ : جوابه . يقول الحق جل جلاله : وَما أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ من زهرة الدنيا فَمَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَزِينَتُها أي : أىّ شئ أحببتموه من أسباب الدنيا وملاذها فما هو إلا تمتع وزينة ، أياما قلائل ، وهي مدة الحياة الفانية ، وَما عِنْدَ اللَّهِ من النعيم الدائم في الدار الباقية ؛ ثوابا لأعمالكم خَيْرٌ من ذلك ؛ لأنه لذة خالصة في بهجة كاملة .